الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

562

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وقال الشيخ أبو محمد المرجاني : تلك السكرات سكرات الطرب ، ألا ترى إلى قول بلال حين قال له أهله وهو في السياق : وا كرباه ، ففتح عينيه وقال : وا طرباه ، غدا ألقى الأحبة محمدا وصحبه ، فإذا كان هذا طربه وهو في هذا الحال بلقاء محبوبه وهو النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وحزبه ، فما بالك بلقاء النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - لربه تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ « 1 » وهذا موضع تقصر العبارة عن وصف بعضه . وفي حديث مرسل ذكره الحافظ ابن رجب : أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والقصب والأنامل ، فأعنى عليه وهونه على » . وعند الإمام أحمد والترمذي من طريق القاسم عنها قالت : ورأيته وعنده قدح فيه ماء وهو يموت ، فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول : « اللهم أعنى على سكرات الموت » « 2 » . ولما تغشاه الكرب ، قالت فاطمة - رضى اللّه عنها - : واكرب أبتاه ، فقال لها : « لا كرب على أبيك بعد اليوم » « 3 » ، رواه البخاري . قال الخطابي : زعم من لا يعد من أهل العلم : أن المراد بقوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا كرب على أبيك بعد اليوم » أن كربه كان شفقة على أمته ، لما علم من وقوع الاختلاف والفتن بعده ، وهذا ليس بشيء ، لأنه كان يلزم أن تنقطع شفقته على أمته بموته ، والواقع أنها باقية إلى يوم القيامة ، لأنه مبعوث إلى من جاء بعده ، وأعمالهم تعرض عليه ، وإنما الكلام على ظاهره ، وإن المراد بالكرب ما كان يجده - صلى اللّه عليه وسلم - من شدة الموت ، وكان - صلى اللّه عليه وسلم - فيما يصيب جسده من الآلام كالبشر ليتضاعف له الأجر ، انتهى . وروى ابن ماجة أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال لفاطمة : « إنه حضر من أبيك ما اللّه تعالى بتارك منه أحدا لموافاة يوم القيامة » « 4 » .

--> ( 1 ) سورة السجدة : 17 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) حسن : أخرجه ابن ماجة ( 1629 ) ، فيما جاء في الجنائز ، باب : ذكر وفاته ودفنه . من حديث أنس بن مالك - رضى اللّه عنه - ، وقال الألبانى في صحيح ابن ماجة : حسن صحيح .